السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين.
كان بروس كوفنر، أحد كبار متداولي الأسواق الكلية في العالم، ينظر إلى التداول باعتباره اختباراً لفهم البيئة قبل اختبار الاتجاه. لم يكن يطارد الحركة لمجرد أنها بدأت، بل كان يبحث دائماً عن السؤال الأعمق: ما القوة الحقيقية التي تقف خلف السعر؟ وهل هذه القوة قابلة للاستمرار أم مجرد انفجار مؤقت داخل سوق مضطرب؟
هذه الفكرة تلائم قراءة الأسبوع المنتهي، فالمعدن الأصفر لم يتحرك ضمن مسار يمكن تلخيصه بكلمة صعود أو هبوط، بل كان الأسبوع خليطاً من إشارات متعارضة: تضخم أمريكي أهدأ من المتوقع، أسعار منتجين سالبة، مبيعات تجزئة متماسكة، طلبات بطالة منخفضة، نفط مشتعل بسبب التوترات الجيوسياسية، ودولار لم يمنح الذهب دعماً كافياً رغم تراجعه الأسبوعي.
المفارقة أن بعض الأرقام الأمريكية كانت داعمة نظرياً للذهب؛ تراجع التضخم وانخفاض مؤشر أسعار المنتجين وضعف بعض مؤشرات الطلب كان يفترض أن يخفف رهانات التشدد النقدي، لكن السوق لم يتعامل معها بمعزل عن بقية الصورة.
هنا تصبح القراءة أكثر دقة: الأولى تقول إن الفيدرالي قد يخفف لهجته إذا واصل التضخم التراجع، والثانية تشير إلى أن ارتفاع الطاقة والمخاطر الجيوسياسية قد يعيدان التضخم إلى الواجهة ويمددان عمر الفائدة المرتفعة.
مراجعة أداء التحليل السابق.
تحرك الذهب خلال الأسبوع الماضي ضمن نطاق فني ضيق، وافتتح التداولات على فجوة سعرية هابطة بلغت نحو 30 دولاراً. واصل السعر تراجعه حتى لامس الشق السفلي للتصحيح على إطار الساعة عند مستوى 4053، ثم ارتد منه بشكل محدود قبل أن يعود للضغط عليه ويكسره، ليتجه نحو الشق السفلي للتصحيح على إطار الأربع ساعات عند 3983.
عند ملامسة هذا المستوى، ظهر ارتداد قوي دفع الذهب إلى تسجيل قمة أسبوعية عند 4104، قبل أن يتراجع مجدداً لاختبار منطقة 3983. ورغم محاولات الهبوط دونها، فإن السعر لم يتمكن من تثبيت الكسر لينهي تداولات الأسبوع عند 4017.
ويؤكد هذا السلوك فاعلية القراءة السابقة في تحديد مناطق الارتداد والضغط السعري بدقة.
أما الملاحظة الأهم فهي عجز الذهب عن العودة والاستقرار فوق الافتتاح الأسبوعي ما يشير إلى استمرار حضور البائعين وعدم فقدانهم السيطرة بشكل كامل رغم صدور بيانات تضخم أقل من التوقعات. وبناءً عليه فإن مسار الأسبوع القادم سيعتمد على قدرة السعر على استعادة المستويات العلوية والثبات فوقها وليس فقط على حدوث ارتداد من القاع.
الذهب بالأرقام.
القمة الأسبوعية: 4104.
القاع الأسبوعي: 3959.
الافتتاح الأسبوعي: 4090.
الإغلاق الأسبوعي: 4017.
المعدل السعري: 145 دولار.
المتوسط الأسبوعي: 4031.
المعدل الحركي اليومي: 0.28%.
مقدار التراجع من الافتتاح إلى الإغلاق: 73 دولار.
نسبة التراجع من الافتتاح إلى الإغلاق: 2.11%.
مقدار الارتداد من القاع إلى الإغلاق: 58 دولار.
نسبة الارتداد من القاع إلى الإغلاق: 1.45%.
ما الذي ضغط على الذهب خلال الأسبوع الماضي؟
لم يكن ضغط الذهب خلال الأسبوع الماضي ناتجاً عن عامل واحد بل جاء نتيجة لتداخل غير مريح بين السياسة النقدية والطاقة والدولار وسلوك المستثمرين.
- العامل الأول كان عوائد السندات الأمريكية؛ صحيح أن العائد القصير تراجع بعد بيانات التضخم لكن العوائد المتوسطة والطويلة بقيت مرتفعة نسبياً مما أبقى الذهب تحت ضغط منافسة مباشرة مع أدوات الدخل الثابت.
- العامل الثاني هو ارتفاع النفط بسبب التوترات المتجددة بين الولايات المتحدة وإيران والمخاوف المتعلقة بالملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر التي أعادت فكرة التضخم القادم من الطاقة للسوق. وهذا النوع من المخاطر لا يدعم الذهب دائماً؛ أحياناً يدفع المستثمرين إلى تسعير فائدة أعلى لفترة أطول لأن ارتفاع الطاقة قد يضعف قدرة التضخم على الهبوط المستمر.
- العامل الثالث جاء من الفيدرالي؛ السوق كان ينتظر أن تقود بيانات التضخم الهادئة إلى تحول واضح في نبرة البنك المركزي لكن الصورة لم تكن بهذه البساطة. فالفيدرالي لا ينظر إلى قراءة واحدة فقط بل يراقب مجموعة متنوعة من المؤشرات معاً.
- العامل الرابع هو الدولار؛ مؤشر الدولار تراجع أسبوعياً لكنه لم ينهار مما منح الذهب بعض الدعم لكنه لم يكن كافياً لإلغاء أثر العوائد والنفط.
- العامل الخامس كان ضعف الزخم الفني؛ الذهب لم يستطع الثبات فوق مستوى معين مما أبقى أي محاولة ارتداد داخل إطار تصحيحي محدود.
- العامل السادس هو سلوك السيولة؛ العقود المفتوحة واصلت الارتفاع لكن السعر لم يصعد معها مما يتطلب قراءة حذرة حيث قد يعني دخول مراكز جديدة ولكن ليس بالضرورة أن تكون مراكز شراء صافية.
دور مجلس الذهب العالمي في قراءة الصورة الأكبر.
رغم الضغط السعري قصير الأجل فإن الصورة الهيكلية للذهب لا تزال مختلفة عن حركة أسبوع واحد. بيانات مجلس الذهب العالمي تشير إلى أن صناديق الذهب المتداولة بقيت إيجابية في النصف الأول من العام وأن حيازات الصناديق ارتفعت رغم تراجع القيمة السوقية بفعل انخفاض السعر.
الخلاصة وفق قانون المرونة السعرية للطلب.
الذهب واجه أسبوعاً معقداً؛ فقد أرسل التضخم إشارة داعمة بينما الدولار تراجع جزئياً لكن النفط والعوائد الطويلة والعقود المفتوحة أعطت إشارات حذر.
المعادلة الحالية لم تعد بسيطة ولم يعد يكفي القول إن التضخم انخفض فيصعد الذهب أو إن النفط ارتفع فيصعد كملاذ آمن. السوق أصبح يقرأ كل عامل وفق تأثيره على الفيدرالي؛ إذا كان العامل يخفض احتمالات التشدد فهو داعم للذهب وإذا كان يرفع احتمالات بقاء الفائدة مرتفعة فهو ضاغط حتى لو كان العامل نفسه جيوسياسياً.
لذلك بقي الذهب عالقاً بين دعم البيانات الهادئة وضغط التسعير المستقبلي للفائدة والخروج من هذا النطاق يحتاج إلى تأكيد واضح إما استعادة مستوى معين أو كسر مستوى آخر.

