في الأيام المقبلة، وبحلول شهر سبتمبر، من المتوقع أن نشهد مشهدًا غير معتاد عند مدخل قناة بنما: حيث سترسو عشرات السفن في انتظار دورها للعبور، محملةً بحاويات مليئة بالبضائع والغاز. هذا الوضع قد يخلق أزمة مرورية غير مألوفة، ولكنه ليس مفاجئًا في ظل إعلان هيئة القناة عن خفض عمليات عبور السفن تدريجيًا خلال سبتمبر بسبب انخفاض معدلات هطول الأمطار وتراجع منسوب المياه في البحيرات التي تعتمد عليها القناة، وذلك في ظل ظاهرة “إل نينيو”.

فكيف سيؤثر الجفاف على القناة مجددًا؟ وما قصة الممر المائي الذي وصفه “ترامب” بأنه “هدية حمقاء”؟ ولماذا يُعتبر بهذه الأهمية؟ وهل هناك بديل له؟

ماذا يحدث لقناة بنما؟

تتكرر ظاهرة “إل نينيو” كل عامين إلى سبعة أعوام، حيث ترتفع حرارة المياه السطحية في وسط المحيط الهادئ الاستوائي وشرقه، مما يؤدي إلى تغييرات كبيرة في أنماط الرياح والضغط الجوي وهطول الأمطار. وتشير معظم التوقعات إلى أن الظاهرة هذا العام ستكون استثنائية وقد تكون الأشد على الإطلاق.

تعتمد حركة الملاحة في قناة بنما على مياه الأمطار المخزنة في بحيرتي غاتون وألاخويلا الاصطناعيتين، لذا فإن تراجع منسوب المياه نتيجة لهذه الظاهرة المناخية سيعيق حركة الملاحة بشكل كبير.

مشروع التوسعة والتحديات

صممت القناة نظام هويسٍ جديد كجزء من مشروع توسعتها الذي بدأ عام 2016، بهدف ترشيد استهلاك المياه من خلال تجميع جزء منها وإعادة استخدامها. إذ يتطلب المرور عبر النظام القديم حوالي 500 مليون لتر (110 ملايين غالون) من الماء لكل سفينة، بينما يتطلب المسار الجديد 200 مليون لتر (40 مليون غالون). ومع ذلك، فإن الجفاف المتكرر يؤثر سلبًا على أهداف مشروع التوسعة عبر تقليل عدد وحجم السفن التي يمكنها العبور.

تلجأ إدارة القناة إلى إجراءات لمواجهة انخفاض المياه، منها تقليص غاطس السفن، وهو العمق الذي تحتاجه السفينة لتطفو بأمان. يعني الحد الأدنى للغاطس أن السفن قد تضطر لحمل حمولة أقل للعبور.

أشار ريكورتي فاسكيز (مدير قناة بنما) خلال فعالية تجارية إلى القيود المفروضة على الغاطس بسبب ظاهرة النينيو، قائلًا: “هذا العام قد تستمر الظاهرة لفترة أطول مما كان متوقعًا، مما يستوجب على القناة الحد من سعة العبور كما فعلنا خلال فترات الجفاف السابقة”. وفي الظروف العادية قد يصل عدد السفن المنتظرة للعبور إلى 90 سفينة في وقت واحد، ولكن عدد السفن الراسية تجاوز المائتين في مثل هذه الأيام من عام 2023.

ومع التخفيض القادم ستزداد أوقات انتظار السفن التي تحاول المرور دون حجز مسبق. تسع من كل عشر سفن تستخدم القناة بحجز مسبق، بينما يتم بيع المساحات المتبقية في مزاد علني. وقد ارتفعت قيمة العطاءات بعد الحرب الإيرانية التي أدت إلى عرقلة المرور عبر مضيق هرمز وزيادة التوترات في المنطقة.

كان متوسط قيمة العطاء الفائز في هذه المزادات حوالي 135 ألف دولار قبل الحرب. ولكن في أبريل الماضي دفعت إحدى شركات الشحن مبلغ 4 ملايين دولار.

الهدية الحمقاء

لطالما اعتُبرت قناة بنما إنجازًا أمريكيًا كبيرًا منذ اكتمال بنائها عام 1914 بعد عشر سنوات من العمل، حيث وفرت ممرًا مائيًا حيويًا بين المحيطين الأطلسي والهادئ وساعدت المسافرين بحرًا على تجنب مسافة إضافية تبلغ 7000 ميل بحري (13000 كم) حول طرف أمريكا الجنوبية.

خلال القرن العشرين، كانت الولايات المتحدة تدير القناة بعدما سيطرت على منطقة القناة وبدأت أعمال البناء عام 1904 بعد دعم بنما لنيل استقلالها عن كولومبيا. استمرت السيطرة الأمريكية حتى عام 1977 عندما وقّع جيمي كارتر (الرئيس الأمريكي آنذاك) وعمر توريخوس (الزعيم البنمي) معاهدتين لإنهاء السيطرة الأمريكية تدريجيًا. وفي عام 1999 انتقلت السيطرة الكاملة لبنما.

باعتبار الولايات المتحدة أكبر عميل للقناة حيث تستحوذ على نحو ثلاثة أرباع البضائع التي تمر عبرها سنويًا، انتقد “ترامب” مرارًا ما وصفه بالأسعار “الباهظة” التي تفرضها هيئة القناة مقابل استخدام الممر. وطالب باستعادة السيطرة عليها معبرًا عن ذلك بقوله: “إن روح المعاهدة التي وقعها الرئيس جيمي كارتر قد تم انتهاكها. هذا الاتفاق هدية حمقاء ما كان ينبغي تقديمها أبدًا” وكرر ادعاءه بأن الصين تدير الممر المائي.

أثارت هذه التصريحات ردود فعل غاضبة من خوسيه راؤول مولينو (رئيس بنما)، الذي أكد أن “القناة هي وستبقى بنما وستظل إدارتها تحت السيطرة البنمية بحياد دائم”. وتفرض هيئة قناة بنما رسوم عبور تختلف بحسب نوع السفينة وحجمها والخدمات المستخدمة؛ تبدأ الرسوم الأساسية للسفن الحاويات من نحو 60 ألف دولار وقد تصل إلى 300 ألف دولار للسفن الكبيرة. وفي السنوات الأخيرة ارتفعت تلك الرسوم نتيجة موجات الجفاف المتكررة.

المسألة المتعلقة بالمياه ليست حساسة بالنسبة للقناة فحسب بل لبنما ككل؛ إذ توفر البحيرات التي تغذي القناة المياه لنصف السكان البالغ عددهم 4.2 مليون نسمة.

بدائل معقدة

في أوقات الأزمات هذه يتزايد التفكير حول مسارات بديلة – ماذا لو كانت هناك طريقة أخرى للانتقال بين المحيط الهادئ والأطلسي؟ لا تستطيع الأسواق المتأثرة أساساً بالحرب الأمريكية – الإيرانية الانتظار طويلاً في بنما. تُقدّر قيمة البضائع التي تمر عبر القناة سنويًا بحوالي 270 مليار دولار متجهة إلى 170 دولة.

تقول ميشيل ويز بوكمان (كبيرة المحللين بشركة لويدز ليست إنتليجنس): “هذا الوضع قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن مرة أخرى خاصة لأنواع الوقود مثل الغاز الطبيعي المسال مما قد يؤثر على أسعار المستهلك”.

على مدى سنوات طويلة تم دراسة مشروع بناء قناة عبر نيكاراغوا كبديل لكنه لم ينجح في النهاية وكان سيوفر مساراً بديلاً بين المحيطين رغم أنه أطول بكثير. أما الممر الشمالي الغربي فقد أصبح ممكن المرور منه بعض الأحيان بفضل تغير المناخ وانخفاض نسبة الغطاء الجليدي خلال فصل الصيف؛ لكن جان بول رودريغ (أستاذ إدارة الأعمال البحرية بجامعة تكساس) يتردد في تبني صناعة شحن الحاويات لهذا الطريق بشكل واسع قائلاً: “بالنسبة للطرق القطبية وخاصة الممر الشمالي الغربي فهو مفتوح لبضعة أشهر فقط إن حالفك الحظ” وتوجد مخاوف بيئية أيضًا.

مؤخراً غادرت سفينة حاويات صينية تُدعى “دبي تاور” متجهة إلى أوروبا عبر الطريق البحري الشمالي للمرة الأولى بعيداً عن قناة السويس لتقصير مسار الرحلة؛ حيث يبلغ طول هذا المسار نصف مسافة العبور من قناة السويس. وكانت شركة ميرسك الدنماركية أول شركة شحن بحرية تسلك هذا الطريق منذ عام 2018.

حتى الآن يبدو أنه لا توجد بدائل لمسار قناة بنما بنفس فعاليته؛ إذ تعبر أكثر من 10 آلاف سفينة سنويًا تحمل حوالي 423 مليون طن وتنقل أكثر من 40% من السلع الاستهلاكية المتداولة بين شمال شرق آسيا والساحل الشرقي للولايات المتحدة.