عودة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة بعد غياب عشر سنوات تحمل دلالات تتجاوز البروتوكول، وفق خبير اقتصادي يرى أن الزيارة تهدف إلى إعادة تعريف وظيفة الشراكة بين البلدين خلال العقد المقبل.
وقال الدكتور محمد الجوهرى، الخبير الاقتصادى ورئيس مركز أكسفورد للدراسات والبحوث الاقتصادية، إن زيارة الرئيس الصيني لمصر تأتي في صورة زيارة دولة ضمن تحرك خارجي يبدأ من 30 أغسطس حتى 3 سبتمبر بحسب ما أعلنت وزارة الخارجية الصينية، بينما تشير تغطيات إلى أن المحطة المصرية تمتد نحو ثلاثة أيام، دون تحديد رسمي مصري تفصيلي للمدة.
زيارة بعد عقد.. وليست مجرد تكرار لشراكة قديمة
أوضح الجوهرى أن آخر زيارة لشي جين بينج لمصر كانت في يناير 2016، وأن عودته بعد عقد كامل تعكس تغيرات عميقة في البلدين والعالم. وأشار إلى أن مصر توسعت في البنية الأساسية والموانئ والطرق والطاقة والمدن الجديدة، وأنشأت العاصمة الإدارية الجديدة، وطورت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، كما انضمت إلى تجمع بريكس وتعمل على الانتقال من نموذج يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد والتمويل الخارجي إلى نموذج يمنح الصناعة والتصدير والاستثمار الأجنبي المباشر دورًا أكبر.
في المقابل، يرى الخبير أن الصين أصبحت أكثر حضورًا في الاقتصاد العالمي وأكثر انخراطًا في الشرق الأوسط وأفريقيا، وأن المنافسة بينها وبين الولايات المتحدة تجاوزت التجارة لتصل إلى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والطاقة والموانئ وسلاسل الإمداد والعملات والنفوذ الجيوسياسي. لذلك، اعتبر أن زيارة 2026 مختلفة تمامًا عن زيارة 2016.
لماذا الآن؟ ذكرى 70 عامًا ومرحلة إعادة تشكيل للتحالفات الاقتصادية
ربط الجوهرى توقيت الزيارة بعام 2026 الذي يوافق مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين منذ عام 1956. لكنه أكد أن هذه الذكرى تمثل غطاءً تاريخيًا للزيارة وليست السبب الوحيد.
<p واعتبر السبب الأعمق أن العالم يدخل مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التحالفات الاقتصادية مع تصاعد التوترات التجارية وضغوط مرتبطة بالطاقة والتجارة وسلاسل التوريد. وفي هذا السياق يصبح تأمين طرق التجارة والوصول للأسواق مسألة أمن قومي للقوى الكبرى، ومصر تقع ـ وفق وصفه ـ في موقع يصعب تجاهله.
مصر بالنسبة للصين ليست سوقًا فقط.. بل عقدة لدوائر استراتيجية
<p شدد الخبير على أن اختزال أهمية مصر بالنسبة للصين في حجم السوق أو عدد السكان غير دقيق. وقال إن الصين تنظر إلى مصر ضمن منظور جغرافي واقتصادي أوسع يشمل ثلاث دوائر استراتيجية: الشرق الأوسط, وأفريقيا, والبحر المتوسط. وفي قلب هذه الدوائر توجد قناة السويس.
<p وأوضح أن أمن التجارة البحرية وسرعة انتقال السلع الصينية إلى أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا مسألة حيوية للاقتصاد الصيني. لذلك لا تمثل مصر مجرد دولة تستورد المنتجات الصينية، بل يمكن أن تتحول إلى منصة للإنتاج والتصدير واللوجستيات والوصول لأسواق خارج الحدود المصرية.
المنطقة الاقتصادية لقناة السويس مرشحة لأن تكون جوهر الرهان الصناعي الصيني
<p اعتبر الجوهرى أن للصين مصلحة كبيرة في زيادة التصنيع داخل مصر بدل الاكتفاء بالتصدير إليها. وتقوم الفكرة ـ بحسبه ـ على تقليل تكاليف الشحن ومخاطر التجارة الدولية والقيود الجمركية وتقلبات العملات إذا تم إنشاء مصانع داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
<p وأضاف أن الرئيس السيسي حدد خلال مقاله المنشور بالتزامن مع الزيارة قطاعات ذات أولوية تشمل:
- السيارات الكهربائية
- بطاريات تخزين الطاقة
- الطاقة المتجددة
- الإلكترونيات ومكونات تحلية مياه البحر وبناء السفن
استخدام اليوان قد يخفف الطلب على الدولار.. دون استبداله بالكامل
<p ونوه الخبير بأن مصر عضو في تجمع بريكس والصين لاعب رئيسي داخله، ما يجعل توسيع استخدام اليوان في تسوية جزء من التجارة المصرية الصينية أداة يمكن أن تساعد على تخفيف جزء من الطلب على الدولار. لكنه شدد على ضرورة عدم المبالغة في اعتبار ذلك بديلًا كاملًا للدولار؛ إذ سيظل الدولار ـ وفق رأيه ـ عملة رئيسية للتجارة والتمويل الدولي مستقبلًا.
بعد سياسي مرتبط بأمن البحر الأحمر وقناة السويس وممرات الطاقة والتجارة
<p أكد الجوهرى أن الزيارة ليست اقتصادية فقط؛ فالمنطقة تشهد اضطرابًا سياسيًا وعسكريًا وتوترات مرتبطة بإيران والخليج ومضيق هرمز، إضافة إلى أمن البحر الأحمر وباب المندب والحرب في غزة والقضية الفلسطينية والأوضاع في السودان وليبيا والقرن الأفريقي ولبنان. ورأى أن هذه الملفات تؤثر مباشرة أو غير مباشرة على المصالح الصينية لأن الصين تعتمد بدرجة كبيرة على التجارة البحرية والطاقة القادمة من الشرق الأوسط.
<p وختم بأن أي اضطراب في مضيق هرمز أو البحر الأحمر أو باب المندب لا يمثل مشكلة إقليمية فقط لبكين، بل يمكن أن يتحول إلى مشكلة اقتصادية صينية؛ وهو ما يجعل مصر دولة محورية في أمن البحر الأحمر وقناة السويس وشرق المتوسط والعالم العربي وأفريقيا.


